ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ نُفَاةَ الْقِيَاسِ لَمْ يَقُولُوا بِإِهْدَارِ كُلِّ مَا يُسَمَّى قِيَاسًا وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ أَوْ مَقْطُوعًا فِيهِ بِنَفِيِ الْفَارِقِ ، بَلْ جَعَلُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْقِيَاسِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ مَشْمُولًا بِهِ مُنْدَرِجًا تَحْتَهُ ، وَبِهَذَا يَهُونُ عَلَيْكَ الْخَطْبُ وَيَصْغُرُ عِنْدَكَ مَا اسْتَعْظَمُوهُ ، وَيَقْرُبُ لَدَيْكَ مَا بَعَّدُوهُ; لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا النَّوْعِ الْخَاصِّ صَارَ لَفْظِيًّا ، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَى الْأَخْذِ بِهِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ ، وَاخْتِلَافُ طَرِيقَةِ الْعَمَلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلَافَ الْمَعْنَوِيَّ لَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا ، وَقَدْ قَدَّمَنَا لَكَ أَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَلَا تَسْتَحِقُّ تَطْوِيلَ ذُيُولِ الْبَحْثِ بِذِكْرِهَا ، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ أَنْهَضَ مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ ؛ فَإِنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ وَالْحَوَادِثُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ .
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إِخْبَارِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ لَهَا دِينَهَا ، وَبِمَا أَخْبَرَهَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَهَا عَلَى الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا .