وَيُوصُونَ بِالِاعْتِصَامِ وَالِاتِّبَاعِ ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الرَّأْيِ وَالْقِيَامِ فِي الدِّينِ ، وَيَتَدَافَعُونَ الْفَتْوَى وَيَتَحَامَوْنَهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا سُئِلُوا عَمَّا لَمْ يَقَعْ ، وَلَكِنْ بَعْضُ الَّذِينَ انْقَطَعُوا لِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ فَتَحُوا بَابَ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ فِيهَا ، وَأَكْثَرُوا مِنَ اسْتِنْبَاطِ الْفُرُوعِ الْكَثِيرَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ جَمِيعًا ، فَجَاءَ بَعْضُ الْفُرُوعِ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّةِ مُخَالَفَةً بَيِّنَةً ، وَبَعْضُهَا غَيْرُ مُوَافِقٍ وَلَا مُخَالِفٍ ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيمَا عَفَا اللهُ عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْ بَيَانِهِ رَحْمَةً لَا نِسْيَانًا كَمَا وَرَدَ ، وَقَدْ وَضَعُوا لِلِاسْتِنْبَاطِ أُصُولًا وَقَوَاعِدَ مِنْهَا الصَّحِيحُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ ، وَمِنْهَا مَا لَا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ أَلْبَتَّةَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ تِلْكَ الْأُصُولَ وَالْقَوَاعِدَ فِي اسْتِنْبَاطِهِ لِلْأَحْكَامِ ، وَقَوْلِهِ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ، وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذَاهِبَ بَدَدًا ، وَسَلَكُوا إِلَيْهِ طَرَائِقَ قِدَدًا ، فَكَثُرَتِ التَّكَالِيفُ حَتَّى تَعَسَّرَ تَعَلُّمُهَا ، فَمَا الْقَوْلُ فِي عُسْرِ الْعَمَلِ بِهَا ؟ فَتَسَلَّلَ مِنْهَا الْأَفْرَادُ وَالْجَمَاعَاتُ ، وَنَقَصَتْ مِنْ عَقْلِهَا الْحُكُومَاتُ ، وَكَثُرَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِهَا الشُّبَهَاتُ ، وَكَانَتْ فِي طَرِيقِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ أَصْعَبُ الْعَقَبَاتِ ، وَلَوْ سَلَكَ الْمُتَأَخِّرُونَ طَرِيقَ السَّلَفِ حَتَّى أَئِمَّةِ أَهْلِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ فِي مَنْعِ التَّقْلِيدِ وَالرُّجُوعِ إِلَى صَحِيحِ الْمَأْثُورِ ، وَرَدِّ الْمُتَنَازِعِ فِيهِ إِلَى اللهِ