وقد قيل: إنهم كانوا يقتلونهن خوف العار. وبمكة جبل يقال له: أبو دلامة كانت قريش تئد فيه البنات. وقيل: إن صعصعة جد الفرزدق كان يشتري البنات ويفديهن من القتل كل بنت بناقتين عشراوين وجمل. وفاخر الفرزدق رجلا عند بعض خلفاء بني أمية فقال: أنا ابن محي الموتى، فأنكر الرجل ذلك، فقال: إن الله تعالى يقول: {وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} .
وأما الرفادة في الحج:
فكانت خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم إلى قصي، فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيوف الله، وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا وكانوا يخرجون ذلك كل عام من أموالهم، فيدفعونه إليهم. وقيل: أول من أقام الرفادة عبد المطلب وهو الذي حفر بئر زمزم وكانت مطمومة، واستخرج منها الغزالين الذهب اللذين عليهما الدر والجوهر وغير ذلك من الحلى وسبعة أسياف وخمسة دروع سوابغ، فضرب من الأسياف باب الكعبة وجعل أحد الغزالين الذهب صفائح الذهب وجعل الآخر في الكعبة.
واعلم وفقني الله وإياك إنه لم يسمع بعجب أعظم من عجب سعيد بن زرارة وعبد الله بن زياد التميمي وابن سماك الأسدي الذين ضرب بهم المثل. فأما سعيد بن زرارة فقيل: إنه مرت به امرأة فقالت له: يا عبد الله كيف الطريق إلى مكان كذا، فقال لها: يا هنتاه مثلي يكون من عبيد الله؟ وأما عبد الله بن زياد التميمي، فقيل: إنه خطب الناس بالبصرة فأحسن وأوجز، فنودي من نواحي المسجد كثّر الله فينا مثلك، فقال: لقد كلفتم الله شططا. وأما ابن سماك، فإنه أضل راحلته فالتمسها فلم توجد فقال: والله لئن لم يرد راحلتي عليّ لا صليت له أبدا. فوجدت وقد تعلق زمامها ببعض أغصان الشجر، فقيل له: قد رد الله عليك راحلتك فصل. فقال: إنما كانت يميني يمينا قصدا. فانظر رحمك الله إلى هذا العجب كيف ذهب بهم حتى أفضى بهم إلى الكفر وصاروا حديثا مستبشعا ومثلا بين العالمين مستشنعا، نعوذ بالله من الخذلان المؤدي إلى النيران ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.