وقد خير الحالف إذا حنث بين أمور ثلاثة يختار إحداها، وهو سيختار الأيسر عليه اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قالت عائشة في أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما"فالواجب هو واجب مميز بين ثلاثة وليس واحدا منهم بأولى من الباقين إلا أن يكون أيسرهما عليه، فإن كان من تجار الأقمشة كانت الثياب أيسر عليه.
والأمر الأول المميز فيه الطعام، وقد عبر سبحانه بإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، فما المراد بالأوسط، وما نوع الواجب أهو الإطعام بالفعل؛ أم يشمل التمليك الذي يكون به الإطعام، وهل العدد مقصود لذاته، أي لا بد أن يكون المطعومون عشرة لَا ينقصون؛.
أما كلمة أوسط، ففيها رأيان: أحدهما - رأى كثيرين من المتقدمين.
أن المراد أمثل ما يطعمون به أهليهم، لأن الأوسط في كثير من الاستعمالات هو الأمثل، قال تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) .
أي قال أمثلهم فكرًا ونظرًا، ويزكي هذا أن إطعام عشرة مساكين يقابل بالكسوة وعتق الرقبة، ولا يتصور المقاربة إلا إذا كان أمثل الطعام لديهم، ومؤدى ذلك التصوير أن يكون أولئك الفقراء في ضيافة من حنث في يمينه، يستضيفهم؛ لأن رب البيت يقدم لضيفة أمثل ما يستطيعه من طعام.
وقال آخرون: إن الأوسط هو المتوسط الذي يعد المتوسط في طعامه، فليس هو أقل ما يأكله أهله ولا أكثر بل يكون بين ذلك قواما، وقد اختار هذا الرأي ابن جرير، والأكثرون من الفقهاء.
وإن الإطعام يكون بالتمكين من ذلك، وهو الأصل، وخصوصا عند من يفسر الأمثل بالأوسط، وفي هذه الحال يقدم لهم وجبتين من الطعام ليستطيعوا الاعتماد عليها طول اليوم، وإذا لم يكن الإطعام متيسرا، ملكهم من أنواع القوت ما يقابل ذلك، والأكثرون على أنه يقدم نصف صاع من بر، واختلافهم في مقدار الصاع، لَا في أصل التقدير.