وَأَمَّا تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وَهُوَ أَعْلَى الثَّلَاثَةِ فَمَعْنَاهُ إِعْتَاقُ الرَّقِيقِ ، فَالتَّحْرِيرُ جَعْلُ الْقِنَّ حُرًّا ، وَالرَّقَبَةُ فِي الْأَصْلِ: الْعُضْوُ الَّذِي بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ ، وَيُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ الْإِنْسَانِ كَمَا يُعَبَّرُ بِلَفْظِ الرَّأْسِ عَنِ الْجُمْلَةِ وَغَلَبَ هَذَا فِي الْأَنْعَامِ ، وَبِلَفْظِ الظَّهْرِ عَنِ الْمَرْكُوبِ ، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُ الرَّقَبَةِ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْأَسِيرِ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْعِ فِي مَقَامِ التَّحْرِيرِ (الْعِتْقِ) وَفَكِّ الْأَسْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَكُّ رَقَبَةٍ) (90: 13) وَالَّذِي يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِي أَنَّ سَبَبَ التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَمْلُوكِ وَالْأَسِيرِ بِكَلِمَةِ الرَّقَبَةِ هُوَ مَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَى الْخُضُوعِ ، فَإِنَّ الْمَمْلُوكَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّيِّدِ مُنَكَّسَ الرَّأْسِ عَادَةً ، وَإِنَّمَا تَنْكِيسُهُ بِحَرَكَةِ الرَّقَبَةِ ، وَكَذَلِكَ
الْأَسِيرُ مَعَ مَنْ يَأْسِرُهُ ، وَكَانُوا يَضَعُونَ الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الْأَسْرَى ، وَإِذَا أَمَرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بِأَمْرٍ يَحْنِي رَقَبَتَهُ إِذْعَانًا لِأَمْرِهِ ، وَيُقَالُ فِي مُقَابِلِ ذَلِكَ: فُلَانٌ لَا يَرْفَعُ بِهَذَا الْأَمْرِ رَأْسًا ، أَوْ لَا يَرْفَعُ زَيْدٌ رَأَسَهُ أَمَامَ عَمْرٍو ، وَلَوْ أُطْلِقَ لَفْظُ الرَّقَبَةِ عَلَى الْحُرِّ الْمُطْلَقِ لَقُلْتُ: إِنَّ وَجْهَهُ كَوْنُ قَطْعِ الرَّقَبَةِ يُزِيلُ الْحَيَاةَ فَعَبَّرَ بِهَا عَنِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِقَطْعِهَا ، وَعَلَّلَ الِاسْتِعْمَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ بِشَرَفِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ .