إذن فلا اعتقاد في شيء حلال أنه حرام ولا قول بمثل ذلك ولا امتناع عنه ولا يفتي إنسان بمثل ذلك . ويأتي الأمر: {وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين} . ونعرف أن الاعتداء إنما هو أن نتجاوز الحد فيما حرم أو فيما حلل ، والحق سبحانه يحب من يقف عند حدود الله . فلا يقربها الإنسان حتى لا تحدثه نفسه بمعصية . وعندما يبتعد المسلم عنها فهو يتقي الشبهات .
والحق يبين لنا قد أحللت لكم كذا وحرمت عليكم كذا وهو الخالق . فيجب أن نأخذ من الخالق مواصفات ما يبقي لنا الحياة ؛ هذا الإبقاء هو ما نصنعه نحن حينما نخترع آلة توفر علينا الحركة وتعطينا الثمرة بأقل مجهود ، فحين يصنع الصانع آلة من الآلات يصنع لها ما يوجد لها الطاقة لتقوم بعملها ، ولا يستطيع المستعمل لهذه الآلة أن يغير وقود هذه الطاقة ، فإن غير نوع الطاقة ، فالآلة لا تؤدي مهمتها . فما بالنا بالذي خلق؟
إنه حين يوضح أنّ هذه الآلة لا تصلح إلا بما أحللت ، ولا يصح أن تدخل عليها ما حرمت عليك . هنا يجب أن نطيع الخالق ؛ لأنه هو الذي يعلم ما يصلح لنا وما لا يصلح . ولم يدع أحد في الكون أنه خلق نفسه ، فلنرد اقتياتنا وحفظ حياتنا إلى خالقنا ، ولنأخذ ما حلله ونبعد عما حرمه ، فالآلة - الإنسان - تصلح بأن تفعل الحلال وأن تترك فعل الحرام . إذن هناك أشياء تُفعل ، وهناك أشياء لا تُفعل . وهناك أشياء لم يأت فيها الحل أو الحرمة ، فإن أقبل عليها الإنسان فهي تصلح ، وإن لم يقبل عليها الإنسان فهي تصلح أيضاً . والحق سبحانه وتعالى يوضح: أنكم لم تخلقوا هذه الآلة - الإنسان - وأنا الذي خلقتها ، فإنا أعلم بما يعطيها مدد الطاقة ومدد البقاء ، فإن صنعتم غير ذلك كنتم معتدين .