الثالثة قال علماؤنا رحمة الله عليهم في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها رَدٌّ على غُلاة المتزهدين ، وعلى أهل البَطَالة من المتصوّفين ؛ إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه ؛ قال الطَّبريّ: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العَنَت والمشقة ؛ ولذلك ردّ النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مَظْعون فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده ، وأن الفضل والبرّ إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه ، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسَنّه لأمَّته ، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون ، إذ كان خير الهَدْي هَدْيُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشَّعر والصّوف على لباس القطن والكتان إذا قدَرَ على لباس ذلك من حلِّه ، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حَذَراً من عارض الحاجة إلى النّساء.
قال الطَّبَريّ: فإن ظنّ ظانّ أن الخير في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ: وذلك أن الأوْلى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها ، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سبباً إلى طاعته.
وقد جاء رجل إلى الحسن البصري ؛ فقال: إن لي جاراً لا يأكل الفالوذج فقال: ولِم؟ قال: يقول لا يؤدّي شكره ؛ فقال الحسن: أفيشرب الماء البارد؟ فقال: نعم.
فقال: إن جارك جاهل ، فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج.