إن الحق سبحانه يحصر الولاية في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ} وهو قد نهانا من قبل عن ولاية أهل الكتاب ، وعن ولاية كل من لا توجد عنده مودة أو محبة تعين المؤمن على مهمته الإيمانية . فلو كان عند أحد من أهل الكتاب أو الملاحدة محبّة ومودّة تُعين المؤمن على أداء مهمته لما بقي هذا الإنسان على منهجه المحرّف أو على إلحاده ، بل إن ذلك سيجعله يذهب إلى الإيمان برسالة الإسلام .
إننا نجد بقاء الكافر على كفره أو إلحاده أو عدم إيمانه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم دليلا على أنه لم يستطع الوصول إلى الهداية أو أنه - إن كان من أهل الكتاب - لم يستطع أن يكون مأموناً على الكتاب الذي نزل إلى نبيّه وفيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فكيف - إذن - يعين إنسان مثل هذا إنساناً مسلماً؟ . إنه لا يستطيع أن يعين ولا أن يوالي ولا أن يكون على هداية ؛ لأنه لم يستطع أن يهدي نفسه . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم".
لأن الذي لا يستطيع أن يهدي نفسه لن يستطيع هداية غيره .
وحين نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال أهل الكتاب كان يعلم أنهم في ريب من أنفسهم ، وفي ضلال وخلط ، فهم إما يخلطون الحق بالباطل ، وإما في غيظ من الذين آمنوا ؛ لذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسألهم ، وهذا هو الاحتياط للدين ، فقد يسألهم المؤمن سؤالاً ، فيجيبون بصدق ، فيكذبهم المسلم ، وقد يجيبون بكذب فيصدقهم المسلم ؛ لذلك لا يصح ولا يستقيم أن يسألهم المسلم أبداً عن شيء ؛ لأنه عرضة لأمر من اثنين: إما أن يصدق بباطل ، وإما أن يكذب بحق . وأهل الكتاب أنفسهم قد تضاربوا ، ألم يقل الحق على ألسنتهم: {وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ} [البقرة: 113] .