(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) اتَّفَقَ رُوَاةُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَلَى نُزُولِ الْآيَةِ فِي الْمُنَافِقِينَ ; فَهُمُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ; أَيْ إِيمَانُهُمْ مُعْتَلٌّ غَيْرُ صَحِيحٍ ; إِذْ لَمْ يَصِلُوا فِيهِ إِلَى مُسْتَقَرِّ الْيَقِينِ ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ - زَعِيمُ الْمُنَافِقِينَ - ذَا ضِلْعٍ مَعَ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَكَانَ غَيْرُهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَمُتُّونَ إِلَى الْيَهُودِ بِالْوَلَاءِ وَالْعُهُودِ ، وَيُسَارِعُونَ فِي هَذِهِ السَّبِيلِ الَّتِي سَلَكُوهَا . كُلَّمَا سَنَحَتْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِتَوْثِيقِ وَلَائِهِمْ وَتَأْكِيدِهِ ابْتَدَرُوهَا ، فَهُمْ يُسَارِعُونَ فِي أَعْمَالِ مُوَالَاتِهِمْ مُسَارَعَةَ الدَّاخِلِ فِي الشَّيْءِ ، الثَّابِتِ عَلَيْهِ ، الرَّاغِبِ فِيمَا يُزِيدُهُ تَمَكُّنًا وَثَبَاتًا ; وَلِهَذَا قَالَ: (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) وَلَمْ يَقُلْ يُسَارِعُونَ إِلَيْهِمْ ، فَمَا عَذَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرَدِّدُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَيَقُولُونَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِأَلْسِنَتِهِمْ (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) أَيْ نَخْشَى أَنْ تَقَعَ بِنَا مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ مِمَّا يَدُورُ بِهِ الزَّمَانُ ، أَوْ مِنَ الْمَصَائِبِ وَالدَّوَاهِي الَّتِي تُحِيطُ بِالْمَرْءِ إِحَاطَةَ الدَّائِرَةِ بِمَا فِيهَا . فَنَحْتَاجُ إِلَى نُصْرَتِهِمْ لَنَا ، فَنَحْنُ نَتَّخِذُ لَنَا يَدًا عِنْدَهُمْ فِي السَّرَّاءِ ؛ نَنْتَفِعُ بِهَا إِذَا مَسَّتِ الضَّرَّاءُ . وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ تَدُولَ الدَّوْلَةُ لِلْيَهُودِ أَوِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَ الْيَهُودُ عَوْنًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَمَا ظَهَرَ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ