إذن حفظ الحياة أمر ضروري . وعنما يرتكب إنسانٌ مَا ذنباً كبيراً في حق المجتمع فإننا نضعه في السجن ، ولكننا نطعمه ونسقيه ، وعندما يرتقي المجتمع الإنساني ، فهو يوفّر للسّجين عملاً يتناسب مع مواهبه ويحبس عنه حُرية الحركة في المجتمع ، والسجين المذنب يظل في السجن ، ولكنه يأكل ويشرب وينام ويعمل ، فقط تختلف المسألة في النقطة المهمة في الحياة وهي أن يتحرك المتحرك وفق حريته ، فما بالنا بالحق الأعظم عندما سجنهم في التيه؟ . لقد أطعمهم الله وسقاهم وأنزل عليهم المَنّ والسَّلوى .
وقد يقول قائل: إن الله قد أنزل عليهم المَنّ والسَّلوى ليعيشوا كُسَالى وغّرقى في التَكبر والغرور . ونقول: لا . فذلك الإجراء الإلهي من ضمن حكمه البالغة أن يطيل عليهم الوقت . فلو أنه سبحانه وتعالى قد جعلهم يزرعون ويحرثون لانشغلوا بأمور الحياة اليومية ، لكن الحق أراد أن يُطيل عليهم الإحساس بالزمن . فالمسألة ليست طعاماً وشراباً . ولكن هناك كرامة فوق الطعام وفوق الشراب .
إننا نرى ذلك عندما نسمع عن اعتقالات لبعض الأفراد الذين أساءوا للمجتمع . وتسمح لهم السلطات بالطعام الذي يأتيهم من منازلهم . ولكنَّ هؤلاء المعتقلين يشعرون بالضيق من تقييد الحركة .
إذن أراد الحق لهم عقاباً صارماً في فترة التيه . ولذلك نجد بعضهم يحسب المسألة والزمن في فترة التيه ، فيقول الواحد منهم ما ذكره الحق: {وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي} [الأعراف: 142]