{اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} وكلما أدركتهم غفلة فإن الحق يرسل لهم نبياً كأسوة سلوكية . ولم يغضب عليهم ولم يقل: أرسلت لهم رسولا واثنين وثلاثة وأربعة . ولم يهتدوا ، بل كلما عصوا الله واستعصت داءاتهم أرسل لهم رسولا ، مثلهم في ذلك كمثل المريض الذي لا يضن عليه عائله بطبيب أو بطبيبين أو ثلاثة أو أربعة ، بل كلما لاحظ عائله شيئا فإنه يرسل له طبيباً . وفي ذلك امتنان ؛ لأن الله أرسل إليهم كثيراً من الرسل . وكان عليهم أن يعلموا أن داءاتهم قد كثرت وصار مرضهم مستعصيا ؛ لأنه لو لم يكن المرض مستعصيا ؛ لما كانوا في حاجة إلى هذه الكثرة من الأطباء والأنبياء ، ومع ذلك رحمهم الله وكلما زاد داؤهم أرسل لهم نبيا .
ولم يكتف الحق بأن جعل فيهم أنبياء ؛ بل قال: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} وليس معنى ذلك أنهم كلهم صاروا ملوكاً ؛ ولكن كان منهم الملوك ."والملك"كلمة أخذت اصطلاحاً سياسياً ، فكل إنسان مالك ما في حوزته ؛ مالك لثوبه ، أو مالك اللقمة التي أكلها ، أو مالك البيت الذي ينام فيه ، لكن المَلِك هو الذي يملك وَيمْلِك مَن مَلك .
إذن فكل واحد عنده القدرة أن يملك شيئاً ويملك مَن مَلَك يكون مَلِكاً ، فرجل عنده رُعيان يقومون برعي القطعان من الماشية التي يملكها ، وعنده أناس يخدمون في المنزل وأناس يعملون في المزرعة ، وعنده أكثر من سائق ، وعنده أناس كثيرون يأتمرون بأمره ولا يدخلون عليه إلا بإذنه ولا يتكلف في لقائهم أي حرج أو مشقة ، هذا الرجل لا بد أن يكون ملكاً . إذن فقد أعطاهم الحق نعمة وفيرة .
والنبي صلى الله عليه وسلم يحدد الملكية الواسعة التي تحدد الفرد تحديداً إيمانياً فقال:"من أصبح منكم آمنا في سربه معافىً في جسده ، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".