هذه الخلية الواحدة المجهزة بشتى الوظائف .. هذا النبات الصاعد .. هذه الحيوانات التي تجول في هذا الكون، وهذه الأسماك التي تسبح في بحاره .. وهذا الطائر الذي يسبح في الفضاء .. وهذه الزواحف التي تدب على وجه الأرض .. وهذا الإنسان المختلف الألوان والأجناس واللغات .. وهذه الكواكب الثابتة والسيارة .. وهذه الشمس الملتهبة .. وهذا القمر الساري .. وهذه الأفلاك والعوالم، وكل شيء تبصره أو لا تبصره .. متقن الصنع .. بديع التكوين .. يتجلى فيه الإحسان والإتقان.
هذا: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) } [النمل: 88] .
فسبحان: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) } [الأعلى: 2، 3] .
وسبحان: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9) } [السجدة: 7 - 9] .
إن العين المفتوحة والقلب البصير يرى الحسن والإحسان في هذا الوجود بتجمعه، ويراه في كل أجزائه وأفراده.
والنظر والتأمل في مخلوقات الله حيثما اتجه النظر أو القلب أو الذهن يمنح الإنسان رصيداً ضخماً من ذخائر الحسن والجمال المبثوث في هذا الكون،
فتسكب الإيمان والإجلال للرب في القلب، وهو يتجول في هذا المعرض الإلهي الكبير، ويتملى ما فيه من آيات الإحسان والإتقان، في كل ما يراه، وما يسمعه، وما يدركه.
ويتصل من وراء هذه الأشكال الحسنة الفانية بالمحسن الباقي: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 6، 7] .
ولا يدرك الإنسان شيئاً من هذا النعيم في رحلته على الأرض إلا حين يستيقظ من همود العادة، ويبصر بنور الله، فتنكشف له الأشياء عن جواهرها الثمينة الجميلة.