فيتذكر الله الخالق البارئ المصور كلما وقعت عينه أو حسه على شيء من بدائعه، فيحس الصلة بين الخالق وما خلق، والمبدع وما أبدع، فيزيد شعوره بجمال ما يرى وما يحس، لأنه يرى من ورائه جمال الله وجلاله.
والإحسان لب الإيمان وروحه وكماله بكمال الحضور مع الله عزَّ وجلَّ، ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه، والإخلاص له.
ويتم الإحسان ويكمل بثلاثة أمور:
الأول: الإحسان في القصد بأن يجعله تابعاً للعلم، والعلم هو اتباع أمر الله وشرعه، خالصاً لله صافياً من الأكدار.
الثاني: الإحسان في الأحوال بأن يحفظها ويصونها بدوام الوفاء، وتجنب الجفاء، والانقياد للهدى.
الثالث: الإحسان في الوقت بأن تعلق همتك بالحق وحده، ولا تعلق همتك بأحد غيره، وأن تجعل هجرتك إلى الله سرمداً.
ولله على كل عبد هجرتان:
هجرة إلى الله سبحانه بالتوحيد والإيمان، والإخلاص والإنابة، والمحبة والذل، والخوف والرجاء، والعبودية.
وهجرة إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالتحكيم له، والتسليم والتفويض والانقياد لحكمه،
وطاعته وتلقي الأحكام من مشكاته.
والإحسان نوعان:
أحدهما: إحسان قاصر على النفس لا يتعداها إلى سواها، وأعلاه حملها على الإيمان بالله وطاعته وطاعة رسوله.
الثاني: إحسان يتعدانا إلى غيرنا وهو يتعلق بالقلوب والأبدان.
فإحسان القلوب يكون بإرادة كل نفع للعباد، والصبر على المظالم، وأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ويوقر من يستحق التوقير.
وإحسان الأبدان أقسام:
ومنه نقل الملك إلى الغير بالهبات والصدقات .. وإباحة المنافع والأعيان كالعواري والضيافات .. والإسقاط كالعتق والإبراء من الديون .. والعفو عن القصاص والحدود وسائر العقوبات.
ومنه الإعانة على الطاعات بتعليمها والمساعدة على فعلها.
ومنه الإعانة بكل نفع عاجل أو آجل فعليّ أو قوليّ كهداية الضال، وخدمة العاجز، وفك الأسير، وإرشاد الحيران.
ومنه حسن الأخلاق كإظهار البِشر، وطلاقة الوجه، والتبسم في وجوه الإخوان.
وإحسان الإحسان أن يفعل أعلى مراتبه خلياً من الشبه والأذية، والإذلال والمنّة، بالاستقامة على الدين، والدعوة إليه.