وكما تمتص النابتة الخضراء كل شيء في الحبة فإذا هي فتات، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق، وكل عافية، وكل جهد، وكل هم من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية عاجزة، وهما مع ذلك سعيدان.
ولكن الأولاد سرعان ما ينسون هذا كله .. ويندفعون إلى الأمام .. إلى الزوجات والذرية .. ومن ثم يحتاج الأولاد إلى استجاشة وجدانهم بقوة .. ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف وهم الوالدان.
ومن هنا يأتي الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله، يحمل معنى الأمر المؤكد بعد الأمر المؤكد بعبادة الله كما قال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) } [الإسراء: 23، 24] .
والله تبارك وتعالى هو المحسن إلى عباده بصنوف النعم، وهو الذي خلق كل شيء، وكل ما خلقه الله يتجلى فيه الإحسان والإتقان.
فلا تجاوز ولا قصور .. ولا زيادة عن حد الإحسان ولا نقص .. ولا إفراط ولا تفريط .. في حجم أو شكل أو وظيفة.
كل شيء مقدر بحكمة، كل شيء من الذرة الصغيرة إلى أكبر الأجرام، كلها يتجلى فيها الإحسان والإتقان.
وكذلك الأعمال والأعمار، والأطوار والحركات كلها من خلق الله، مقدرة تقديراً دقيقاً في موعدها وفي عملها وفي مآلها.
وكل مخلوق أوجده الله ليؤدي دوره المقدر له في هذا الوجود، قد أعده الله لهذا الدور، وزوده بما يؤهله لأداء هذا الدور.