وكذلك روي عن الزهري قال: بلغني أنه إنما صلى أربعًا؛ لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج.
وعن عمران بن حصين قال:"سافرنا مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، فكان يصلي ركعتين، ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ثماني عشرة يومًا، لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة:"صَلُّوا أَرْبَعًا؛ فَإِنَّا قَومٌ سَفْرٌ"."
وخالف بعض أهل العلم هذا الحديث؛ لأنهم يقولون: إذا أقام ببلد في غير حرب أربعا يتم بعد ذلك، وإن لم يكن عزم على المقام بذلك البلد.
وروي عن عمر بن الخطاب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال:"صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ حَتى يئول إِلَى أهْلِهِ أَوْ يَمُوت".
ورُوي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن الصلاة في السفر، قال: ركعتان ركعتان؛ من خالف السنة كفر.
واستدل قوم بقوله - تعالى -: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) أن القصر رخصة، وأن الأفضل إتمام الصلاة؛ إذ"لا جناح"تستعمل في موضع التخفيف، لا في موضع الأمر؛ على نحو الصيام بقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، وهذا حرف لا يستعمل في موضع الأمر والإيجاب، واللَّه أعلم.
وسلَّم قوم لهم هذا المعنى في الآية، وردوا القصر إلى أقصر للخوف، يلحق عند الضرب في الأرض، وإذن كان على وجهين:
أحدهما: في بيان المراد في قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) ، أنه:
ليس على تمام المعروف من الصلاة؛ لكن على القصر على الحد الذي ينتهي إليه الخوف من أمر القبلة، أو ترك القيام والركوع والسجود، وإلى الإيماء والقعود، واللَّه أعلم.