وَأَمَّا الْفَخُورُ: فَهُوَ الْمُفْتَخِرُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ آلَائِهِ , وَبَسَطَ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ , وَلَا يَحْمَدُ عَلَى مَا آتَاهُ مِنْ طَوْلِهِ , وَلَكِنَّهُ بِهِ مُخْتَالٌ مُسْتَكْبِرٍ , وَعَلَى غَيْرِهِ بِهِ مُسْتَطِيلٌ مُفْتَخِرٌ.
عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْهَرَوِيِّ , قَالَ: لَا تَجِدُ سَيِّئَ الْمَلَكَةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ مُخْتَالًا فَخُورًا , وَتَلَا: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} وَلَا عَاقًّا إِلَّا وَجَدْتَهُ جَبَّارًا شَقِيًّا , وَتَلَا: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُخْتَالَ الْفَخُورَ , الَّذِي يَبْخَلُ وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ. فَالَّذِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ رَدًّا عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ {فَخُورًا} مِنْ ذَمٍّ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى النَّعْتِ لِمِنْ.
وَالْبُخْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَنْعُ الرَّجُلِ سَائِلَهُ مَا لَدَيْهِ وَعِنْدَهُ مِنْ فَضْلٍ عَنْهُ.
عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْلِهِ: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} قَالَ:"الْبُخْلُ: أَنْ يَبْخَلَ الْإِنْسَانُ بِمَا فِي يَدَيْهِ , وَالشُّحُّ: أَنْ يَشِحَّ عَلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ. قَالَ: يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بِالْحِلِّ وَالْحَرَامِ لَا يَقْنَعُ"
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (بِالْبَخَلِ) , بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْخَاءِ.
وَقَرَأتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ بِضَمِّ الْبَاءِ: {بِالْبُخْلِ} وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَقِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيِ الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ فِي قِرَاءَتِهِ.