الأمثل / الجزء الثالث / صفحة -181-
يقول: إِنّ ناسخه هو آية الطلاق إِذ يقول سبحانه: (إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ لعدّتهن) في حين أنّ هذه الآية لا ترتبط بالمسألة المطروحة في هذا البحث لأنّ هذه الآية تبحث في الطلاق، في حين أن الزواج المؤقت (أو المتعة) لا طلاق فيه، والإِفتراق بين الطرفين في هذا الزواج يتمّ بانتهاء المدّة المقررة.
إِنّ القدر المتيقن في المقام هو أن أصل مشروعية هذا النوع من الزواج في زمن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر قطعي ومفروغ عنه، وليس ثمّة أي دليل يمكن الإِطمئنان إِليه ويثبت نسخ هذا الحكم، ولهذا فلابدّ من أن نحكم ببقاء هذا الحكم، بناء على ما هو مقرر وثابت في علم الأصول.
والعبارة المشهورة المروية عن «عمر» خير شاهد على هذه الحقيقة، وهي أنّ هذا الحكم لم ينسخ في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ... وإِلخ.
ثمّ إن من البديهي أنّه لا يحق لأحد إِلاّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينسخ الأحكام، فهو وحده يحق له ـ وبأمر من الله سبحانه وإِذنه ـ أن ينسخ بعض الأحكام، وقد سد باب نسخ الأحكام بعد وفاة النّبي تمامًا، وإِلاّ لإستطاع كل واحد أن ينسخ شيئًا من الأحكام الإِلهية حسب اجتهاده ومزاجه، وحينئذ لا يبقى شيء من الشريعة الخالدة الأبدية، وهذا مضافًا إِلى أنّ الإِجتهاد في مقابل النص النّبوي لا ينطوي على أية قيمة أبدًا.
والملفت للنظر أننا نقرأ في صحيح الترمذي الذي هو من صحاح أهل السنة المعروفة، وكذا عن الدارقطني (1) أن رجلا من أهل الشام سأل «عبد الله بن عمر» عن التمتع بالعمرة إِلى الحج، فقال ابن عمر: حسن جميل، قال: فإِن أباك كان ينهى عنها، فقال: ويلك فإِن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر به أفبقول أبي آخذ، أم بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قم عنّي (2) .
1 ـ تفسير القرطبي، ج 2، ص 762، ذيل الآية (195) البقرة.
2 ـ المراد من متعة الحج التي حرّمها عمر هو لو أننا صرفنا النظر عن حج التمتع، فإن حج التمتع عبارة عن الأمر التالي: إن يحرم الشخص أوّلا، ثمّ بعد الإِتيان بمناسك «العمرة» يخرج من احرامه (فيحلّ له كل شيء حتى الجماع) ثمّ يحرم من جديد ليؤدي مناسك الحج من تاسع ذي الحجّة، وقد كان الناس في الجاهلية يبطلون هذا العمل ويستغربون ممن يدخل مكّة أيام الحج ثمّ يأتي بالعمرة ويخرج من إحرامه قبل أن يأتي بالحج، ولكن الإِسلام أباح هذا وقد صرّح بهذا الأمر في الآية (186) من سورة البقرة.