الأمثل / الجزء الثامن / صفحة -292-
1 ـ القرآن تبيان لكل شيء:
من أهم ما تطرقت له الآيات المباركات هو أنّ القرآن مبين لكل شيء.
«تبيان» (بكسر التاء أو فتحها) له معنىً مصدري (1) ، ويمكن الإِستدلال بوضوح على كون القرآن بيانًا لكل شيء من خلال ملاحظة سعة مفهوم «كل شيء» ، ولكنْ بملاحظة أن القرآن كتاب تربية وهداية للإِنسان وقد نزل للوصول بالفرد والمجتمع ـ على كافة الأصعدة المادية والمعنوية ـ إِلى حال التكامل والرقي، يتّضح لنا أنّ المقصود من «كل شيء» هو كل الأُمور اللازمة للوصول إِلى طريق التكامل، والقرآن ليس بدائرة معارف كبيرة وحاوية لكل جزئيات العلوم الرياضية والجغرافية والكيميائية والفيزيائية... الخ، وإِنّما القرآن دعوة حق لبناء الإِنسان، وصحيح أنّه وجه دعوته للناس لتحصيل كل ما يحتاجونه من العلوم، وصحيح أيضًا أنّه قد كشف الستار عن الكثير من الأجزاء الحساسة في جوانب علمية مختلفة ضمن بحوثه التوحيدية والتربية، ولكنْ ليس ذلك الكشف هو المراد، وإِنّما توجيه الناس نحو التوحيد والتربية الربانية التي توصل الإِنسان إِلى شاطيء السعادة الحقة من خلال الوصول لرضوانه سبحانه.
ويشير القرآن الكريم تارةً إِلى جزئيات الأُمور والمسائل، كما في بيانه لأحكم كتابة العقود التجارية وسندات القرض، حيث ذكر (18) حكمًا في أطول أية قرآنية وهي الآية (282) من سورة البقرة (2) .
وتارةً أُخرى يعرض القرآن المسائل الحياتية للإِنسان بصورها الكلية، كما في الآية التي ستأتي قريبًا، حيث يقول: (إِنّ اللّه يأمر بالعدل والإِحسان وإِيتاء
1 ـ نقل «الآلوسي» في (روح المعاني) عن بعض الأدباء: أنّ جميع المصادر على وزن (تفعال) تفتح تاؤها إِلاّ مصدرين «تبيان» و «تلقاء» . ويعتبرها بعض مصدرًا، وبعض آخر يعتبرها اسم مصدر.
2 ـ راجع ذيل تفسير الآية (282) من سورة البقرة.