ثم وصف سبحانه ذاته الكريمة بما يفيد أنه غالب، وأنه لَا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فقال: (وَاللَّه عَزِيزٌ ذو انتِقَامٍ) أي أنه سبحانه بعزته غالب على كل شيء، مسيطر على كل شيء، ليس فوقه أحد، وهو القاهر فوق عباده. وهو ذو انتقام؛ أي أنه سبحانه له انتقام شديد لَا يدرك كنهه؛ ولذلك نكَّر الانتقام. والانتقام إنزال النقمة والشدة في مقابل ما يرتكبه الشخص؛ فإن كان من عادل حكيم كان عقوبة عادلة، وجزاء وفاقا؛ وكذلك يكون عقاب الله تعالى، فانتقام الله ليس تشفيا وشفاء غيظ كما هو الشأن من البشر، بل انتقام الله عقوبة عادلة، وقصاص رادع. وعبر بـ (ذو انتِقَام) ، أي صاحب انتقام، للإشارة إلى أن هذا الانتقام في قدرته سبحانه وسلطانه ينزله أنى شاء، ومتي شاء بمقتضى حكمته وإرادته وقدرته، وعلمه الذي يحيط بكل شيء؛ ولذا قال بعد ذلك:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)
هذه الجملة السامية تفيد تمام إحاطة الله تعالى في علمه، فهو سبحانه وتعالى يتجلى له كل شيء، ولو كان خافيا عن الناس أو من شأنه الخفاء؛ ولذلك جاء التعبير عن العلم الكامل، ببيان نفي الخفاء عليه سبحانه؛ وذلك لأن العالِم المحيط قد يخفى عليه شيء، لكن علم الله غير ذلك، فهو علم لَا خفاء معه في شيء مطلقا؛ وإذا كان الله سبحانه وتعالى عليما بكل شيء لَا يخفى عليه شيء فهو يعلم القلوب وما تخفيه، وما تكنه السرائر، وما تكنه الضمائر، فهو يعلم البواعث على الكفر، وأنها ليست نقصاً في الدليل، ولكنها مآرب الدنيا، والعصبية الجنسية والمذهبية، فليس الذين ينكرون ما جاء به محمد مخلصين في إنكارهم، بل هي لجاجة العناد، وجحود المستيقن. وذكر سبحانه السماء والأرض للإشارة إلى أن علمه قد وسع كل شيء؛ وسع السماوات والأرض، وليس الإنسان وما تحدثه به نفسه إلا شيئا صغيرا في هذا الملكوت العظيم، وذلك العالم بأرضه وسمائه. وأكد نفي الخفاء بتكرار"لا"في قوله تعالى: (وَلا فِي السَّمَاءِ) فَذكرُها ثانيا تأكيد لأنه لا يخفى عليه شيء.