ويروى أن جبير بن مطعم تزوج ابنة سعد بن أبي وقاص، ثم طلقها قبل الدخول وبعث لها المهر كاملا؛ فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها عليَّ فكرهت رده، قيل: فلم بعثت بالصداق؟ فقال: وأين الفضل؟.
ولقد ذيل الله سبجانه وتعالى أوامره الحاسمة، وإرشاده الحكيم بقوله عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) للإشارة إلى أنه مطلع على حركات الجوارح، وخلجات النفوس، ونيات القلوب، وما تخفي الصدور؛ فليعلموا ذلك، فإن العلم به يربي فيهم المهابة منه سبحانه وتعالى؛ إذ يشعرون برقابته، فيكَفْكِفُون من غضبهم، ويُنَهْنِهُون من حدتهم وقتا الطلاق، حتى لَا يذهب بهم فرط الغضب إلى نسيان المعروف، وتجاهل الفضل؛ فلا يسرِّحوا لإحسان بعد أن فات الإمساك بمعروف.
وقبل أن ننهي الكلام في معاني هذا النص الكريم لابد من الإشارة إلى أمرين:
أولهما: لماذا كان المهر في الزواج من جانب الزوج؟
والثاني: ولماذا وجب النصف أو ما في معناه، وهو المتعة إن حصل الطلاق قبل الدخول؟
والجواب عن السؤال الأول: أن المهر شرع في الزواج على أنه ثمرة من ثمرات العقد، وأثر من آثاره، وليس ركنا من أركانه، وليس شرطاً من شروطه، فليس هو كالثمن في البيع كما فهم بعض الذين لَا يفقهون المعاني الشرعية على وجهها، وشرعيته على أنه هدية واجبة من الرجل لزوجته، لأن المرأة إذ تنتقل من بيت أبيها إلى بيت زوجها، تستقبل حياة جديدة، وهي تحتاج في سبيلها إلى ثياب، وزينة وعطر وغيرها بالقدر الذي يليق بحالها، فكان من اللازم أن يقوم لها الزوج ببعض ما يعينها على ذلك، ولذا أوجب الله لها المهر، وأوجب العرف أن يقدم بعضه على الزفاف إليه.
وقد جرى عرف الناس على أن المرأة هي التي تعد أثاث البيت، وما يحتاج إليه من فراش، فكان من الواجب أن يعينها الزوج على ذلك ببعض المال يقدمه، فكان هو المهر، أو بعبارة أدق معجلة.