وأول ما كان يخطر على بالهم من نعمة الله عليهم ، هو وجودهم ذاته كأمة.. فماذا كان أولئك العرب والأعراب قبل أن يأتيهم الإسلام؟ أنهم لم يكونوا شيئاً مذكوراً. لم تكن الدنيا تعرفهم ولا تحس بهم. كانوا فرقاً ومزقاً لا وزن لها ولا قيمة. لم يكن لديهم شيء يعطونه للبشرية فتعرفهم به. بل لم يكن لديهم شيء يعطونه لأنفسهم فيغنيهم. لم يكن لديهم شيء على الإطلاق.
لا مادي ولا معنوي.. كانوا فقراء يعيشون فِي شظف. إلا قلة منهم تعيش فِي ترف ، ولكنه ترف غليظ ساذج هابط أشبه شيء بترف الأوابد التي تكثر فِي أوكارها الفرائس! وكانوا كذلك فقراء العقل والروح والضمير. عقيدتهم مهلهلة ساذجة سخيفة. وتصورهم للحياة بدائي قبلي محدود. واهتماماتهم فِي الحياة لا تتعدى الغارات الخاطفة ، والثارات الحادة ، واللهو والشراب والقمار ، والمتاع الساذج الصغير على كل حال!
ومن هذه الوهدة المغلقة أطلقهم الإسلام. بل أنشأهم إنشاء. أنشأهم ومنحهم الوجود الكبير ، الذي تعرفهم به الإنسانية كلها. أعطاهم ما يعطونه لهذه الإنسانية. أعطاهم العقيدة الضخمة الشاملة التي تفسر الوجود كما لم تفسره عقيدة قط ؛ والتي تمكنهم من قيادة البشرية قيادة راشدة رفيعة. وأعطاهم الشخصية المميزة بهذه العقيدة التي تجعل لهم وجوداً بين الأمم والدول ، ولم يكن لهم قبلها أدنى وجود. وأعطاهم القوة التي تعرفهم بها الدنيا وتحسب لهم معها حساباً ، وكانوا قبلها خدماً للإمبراطوريات من حولهم ، أو مهملين لا يحس بهم أحد. وأعطاهم الثروة كذلك بما فتح عليهم فِي كل وجهة.. وأكثر من هذا أعطاهم السلام ، سلام النفس. وسلام البيت وسلام المجتمع الذي يعيشون فيه. أعطاهم طمأنينة القلب وراحة الضمير والاستقرار على المنهج والطريق.. وأعطاهم الاستعلاء الذي ينظرون به إلى قطعان البشرية الضالة فِي أرجاء الجاهلية المترامية الأطراف فِي الأرض ؛ فيحسون أن الله آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين..