وَأَمَّا اسْتِحْلَالُ الزِّنَا بِاسْمِ النِّكَاحِ فَهُوَ الزِّنَا بِالْمَرْأَةِ الَّتِي لَا غَرَضَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ مَعَهَا وَلَا أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ أَنْ يَقْضِيَ مِنْهَا وَطَرَهُ أَوْ يَأْخُذَ جُعْلًا عَلَى الْفَسَادِ بِهَا وَيَتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ بِاسْمِ النِّكَاحِ وَإِظْهَارِ صُورَتِهِ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ أَنَّهُ مُحَلِّلٌ لَا نَاكِحٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَيْسٌ مُسْتَعَارٌ لِلضِّرَابِ بِمَنْزِلَةِ حِمَارِ الْعُشْرِيِّينَ.
فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ، أَيُّ فَرْقٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ الزِّنَا وَبَيْنَ هَذَا؟ نَعَمْ هَذَا زِنًا بِشُهُودٍ مِنْ الْبَشَرِ وَذَلِكَ زِنًا بِشُهُودٍ مِنْ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْمُحَلِّلَ إذَا قِيلَ لَهُ: هَذَا زِنًا، قَالَ: لَيْسَ بِزِنًا بَلْ نِكَاحٌ، كَمَا أَنَّ الْمُرَابِيَ إذَا قِيلَ لَهُ: هَذَا رِبًا، قَالَ: بَلْ هُوَ بَيْعٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اسْتَحَلَّ مُحَرَّمًا بِتَغْيِيرِ اسْمِهِ وَصُورَتِهِ كَمَنْ يَسْتَحِلُّ الْحَشِيشَةَ بِاسْمِ لُقَيْمَةِ الرَّاحَةِ، وَيَسْتَحِلُّ الْمَعَازِفَ كَالطُّنْبُورِ وَالْعُودِ وَالْبَرْبَطِ بِاسْمٍ يُسَمِّيهَا بِهِ، وَكَمَا يُسَمِّي بَعْضُهُمْ الْمُغَنِّيَ بِالْحَادِي وَالْمُطْرِبِ وَالْقَوَّالِ، وَكَمَا يُسَمِّي الدَّيُّوثَ بِالْمُصْلِحِ وَالْمُوَفِّقِ وَالْمُحْسِنِ.
(فصل)