فهذه الأخبار التي وردت في الكتاب والسنة كلها متضافرة على عدالة الصحابة وأفضليتهم على سائر الناس، وما وقع من بعضهم من مخالفات فليس يسوغ لنا أن نحكم عليهم بالفسق، لأنهم لا يصرون على الذنب، وإذا تاب الإنسان رجعت إليه عدالته ولا يحكم بفسقه على التأبيد، فهذا (ماعز الأسلمي) الذي ارتكب الفاحشة يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر برجمه"لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم".
والقول: بأن بعض الصحابة قد وقع في الذنب والمخالفة - بناء على الاعتقاد بعدم عصمتهم - لا يعني أنهم غير عدول، لن الفاسق الذي ترد شهادته وروايته هو الذي يصر على الذنب والمعصية، وليس في الصحابة من يصر على ذلك.
وقد عرفت ما ذكره الإمام الفخر أنها لم تنزل خاصة بسبب (الوليد بن عقبة) وإنما نزلت عامة في بيان حكم كل فاسق، وأنها نزلت في ذلك الوقت الذي حدثت فيه تلك القصة، فهي مثل التاريخ لنزول الآية، وكلام الإمام الفخر نفيس فارجع إليه.
الحكم الثالث: هل تقبل شهادة الفاسق أو المبتدع؟
أتفق العلماء على أن شهادة الفاسق لا تقبل عملا بالآية الكريمة {إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا} ، وكذلك لا تقبل روايته، لأن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانة ودين، والفسق يبطلها لاحتمال كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القرطبي:"ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها".
وقال الجصاص:"وقوله تعالى: {فتبينوا} اقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة الفاسق مطلقا، إذ كان كل شهادة خبرا، وكذلك سائر أخباره، فلذلك قلنا: شهادة الفاسق غير مقبولة في شيء من الحقوق، وكذلك أخباره في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما كان من أمر الدين، يتعلق به إثبات شرع، أو حكم، إو إثبات حق على إنسان".