أو خلقه مجرداً لا مال له، ولا أهل ولا ولد، فهو حال من"من"، أو من الضمير المحذوف؛ أي:"خلقته"حالَ كونه وحيداً لا شيء له.
{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} [سورة المدثر: 12] واسعاً.
{وَبَنِينَ شُهُودًا} [سورة المدثر: 13] حضوراً عنده لأن الأهل إذا كانوا مجتمعين حاضرين جميعاً كان ذلك أقر لأعينهم، وأتم للنعمة عليهم.
{ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} [سورة المدثر: 15] ؛ أي: في الزيادة من المال والولد،
وهو شأن أكثر الناس جاهلية وإسلاماً إلا من وفقه الله تعالى، فقنع وعلم أن قليلاً يكفي خيرٌ من كثير يطغي.
ثم كان مع ذلك عنيداً لآياته، كافراً لإنعاماته.
أجمع المفسرون أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي حين قال: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس شعراً، كان له لحلاوة، كان عليه لطلاوة، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما أشك أنه سحر، فنزل فيه الآية.
قال سعيد بن جبير: كان له ثلاثة عشر ولداً كلهم رب بيت، فلما نزلت لم يزل في إدبار من الدنيا في نفسه وماله وولده حتى خرج من الدنيا.
وقال ابن عباس في قوله: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} [سورة المدثر: 12: ألف دينار. رواهما ابن المنذر.
وروى عبد بن حميد عن سفيان قال في قوله: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} [سورة المدثر: 12: ألف ألف.
وروى الدينوري في"المجالسة"عن عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنه: أنه سئل عن قوله: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} [سورة المدثر: 12] ؛ قال: غلة شهر بشهر.
وقيل: كانت له أرض وزرع، وماشية، وتجارة.
* تنبِيهٌ:
من بسط له في دنياه حتى بلغ منها رضاه من مال وبنين من عَرَض حاصل، أو غلة جارية، وهي من أنفع الأموال وأهناها لتجدد السرور بها في كل ما استوفى منها يوماً، أو شهراً، أو عاماً، أو تجارة، أو غير ذلك، ثم بطر نعمة الله فيها، وأصر على المعاصي، وبغى على الناس، وأمن من زوال تلك النعمة عنه وانصرامها منه، عوجل بالعقوبة فيها في الدنيا قبل الآخرة، ثم إن مات على كفر وشرك جمع له بين خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما صار للوليد، وهذه سنة جارية في كثير من المفترين.