وأجيب عن الأول بأن ضمير {بَيْنَهُمْ} لأولئك الذين تفرقوا وقد علمت أن المراد بهم المتفرقون بعد وفاة أنبيائهم وهو لم يصبهم عذاب الاستئصال وإنما أصاب الذين لم يؤمنوا في عهد أنبيائهم وإطلاق المتفرقين ليس بذاك الظهورو ، وقيل: المراد لقضي بينهم ريثما افترقوا ولم يمهلوا أعواما ، وقيل: المراد لقضي بينهم باهلاك المبطين وإثابة المحقين إثابتهم في العقبى وهو كما ترى ، وعن الثاني بأنا لا نسلم إيهام التعرض لبيان تفرق الأمم الإخلال بالمرام بعد بيان أنه لم يكن إلا بعد أن جاءهم العلم بأنه ضلال وفساد وأمر متوعد عليه وأنه كان بغيا بينهم ولم يكن لشبهة في صحة الدين ، وقيل: ضمير {تَفَرَّقُواْ} للمشركين في قوله تعالى: {كَبُرَ عَلَى المشركين} [الشورى: 13] .
حكى في البحر عن ابن عباس أنه قال: وما تفرقوا يعني قريشاً والعلم ممد صلى الله عليه وسلم وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي كما قال سبحانه: {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ} [فاطر: 42] الآية ، وقد يقال عليه: المراد بالذين أورثوا الكتاب أهل الكتاب الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعنى {من بعدهم} [الشورى: 14] على ما قال أبو حيان من بعد أسلافهم.
ونقل الطبرسي عن السدى ما يدل على أن المراد من بعد احبارهم وفسر الموصول بعوام أهل الكتاب ، وقيل: ضمير بعدهم للمشركين أيضاً والبعدية رتبية كما قيل في قوله تعالى: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها} [النازعات: 30] ولا يخفى عليك أنه لا بأس بعود ضمير {تَفَرَّقُواْ} للمشركين لوجود للذين أورثوا الكتاب توجيه يقع في حيز القبول والله تعالى الموفق ، وجعل متعلق {استقم} الدعاء لا تخفى مناسبته.