الآية الأولى: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) } [الأنفال: 65] .
هذه الآية خبر من الله تعالى تدل على علمه بالغيب وليس نفي علم الغيب عنه، وذلك أن علم الله تعالى بالمؤمنين أنهم يستطيعون أن يغلبوا أكثر بما يعادل أن يغلب الواحد عشرة أفراد، لكن قد يكون هذا شاقًا عليهم، وإن كانوا يستطيعون ذلك فخفف الله تعالى عنهم فصار الأمر أن لو فر رجل من أكثر من اثنين فلا لوم عليه في ذلك. أما إذا كان الوضع كما هو الحال الأول، فإن الواحد لو فر من عشرة فيأثم لذلك.
قال تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) } [الأنفال:
66]، ولأجل ذلك نجد في التاريخ الإسلامي كم من جيش مسلم عدده عشرون ألفًا، ومع ذلك غلب جيشا وعدده أكثر من مائتي ألف من غير المسلمين.
قال ابن كثير: ثم قال تعالى مُبَشِّرًا للمؤمنين وآمرا: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} كل واحد بعشرة ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة.
قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخِرِّيت عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} إلى قوله: {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.
وروى البخاري من حديث ابن المبارك، نحوه.