فلفظة (آجرّ) مبتذَلة جداً، وإن شئت أن تعلم شيئاً من سَرِّ الفصاحة التي تضمّنها القرآن فانظر إلى هذا الموضع، فإنه لما جِيء فيه بذكر (الآجرّ) لم يُذكَر بلفظه، ولا بلفظ القرمد أيضا، ولا بلفظ الطّوب الذي هو لغة أهل مصر، فإنّ هذه أسماء مبتذلة، لكن ذُكر في القرآن على وجهٍ آخَر، وهو قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا) [القصص:38] فعبّر عن الآجرّ بالوقود على الطين» ( [57] ) -
وجاء الرافعي فقدّم تفسيراً رائعاً لعزوف القرآن عن استعمال هذه اللفظة أو ما يرادفها مِمّا استعمله العربُ في كلامهم وضمّنوه آدابَهم، واختياره لهذا التعبير دون غيره - فقد تبين له «في الاستخدام القرآني لهذه الصورة وجوهاً من المعاني والأغراض مِمّالم يُلِمّ به ضياء الدين، ولا اقترب منه» ( [58] ) -
يقول الرافعي عن لفظة (آجرّ) بأنها «ليس فيها من خفّة التركيب إلا الهمزة، وسائرها نافِر متقَلقِل لا يَصلح مع هذا المدّ في صوت ولا تركيب على قاعدة نظم القرآن، فلمّا احتاج إليها لَفَظَها ولَفَظَ مرادفَها وهو (القرْمد) وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما، ثم أخرج معناها بألْطَف عبارة وأرقّها وأعذبها، وساقها في بيان مكشوف يفضح الصُّبح، وذلك في قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا"-"