فانظرْ، هل تَجد في سِرّ الفصاحة وفي روعة الإعجاز أبرَع وأبدَع من هذا؟ وأيّ عربيّ فصيح يسمع مثل هذا النظم وهذا التركيب ولا يَملِّكه حِسُّه، ولا يسوِّغه حقيقة نفسه، ولا يُجَنُّ به جنوناً، ولا يقول آمنتُ بالله ربَّاً، وبِمحمدٍ نبيَّاً، وبالقرآن معجزة؟ وتأمّل كيف عَبّر عن (الآجُرّ) بقوله: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ"، وانظر موضع هذه القلقَلَة التي هي في الدال من قوله:(فأوقدْ) وما يتلوها من رقّةِ اللاّم، فإنها في أثناء التلاوة مِمّا لا يُطاق أن يُعبَّر عن حُسنِه -"
وكأنما تنتزع النفس انتزاعاً - وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب، ولكن ما ترمي إليه إعجاز آخر؛ فإنها تحقر شأن فرعون، وتصِف ضلالَه، وتُسَفِّه رأيه، إذ طمع أن يبلغ الأسباب أسباب السّموات فيطّلع إلى إله موسَى، وهو لا يجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصب الأرض سلَّماً، إلاّ شيئاً يصنعه هامان من الطين» ( [59] ) -
1 -4 - 1 - 4 - المناسبة الصوتية في اختيار لفظ دون آخَر
وهو أن تكون هناك لفظتان مترادفتان، على وزن واحد، وكلتاهما حَسَنة في الاستعمال، إلاّ أنّ إحداهما قد تصلح لموضع دون أختها من جهة السّبك فَيُفَرَّق بينهما لهذا السبب - وهذا أمر لا يُدركه، كما يقول ابن الأثير، إلا من دَقّ فهمُه، وجَلّ نظرُه - ويمثل له بقوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) [الأحزاب:4] ، وقوله تعالى: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) [آل عمران:35] «فاستعمل (الجوف) في الأولى و (البطن) في الثانية، ولم يستعمل (الجوف) موضع (البطن) ولا (البطن) موضع (الجوف) - واللّفظتان سَواءٌ في الدلالة، وهما ثلاثيّتان في عدد واحد، ووزنهما واحد أيضا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل؟» ( [60] ) -