{وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} من الخلق {باطلا} خلقاً باطلاً لا لحكمة بالغة ، أو مبطلين عابثين كقوله {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} [الأنبياء: 16] وتقديره ذوي باطل ، أو عبثاً فوضع {باطلا} موضعه أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب ولكن للحق المبين ، وهو أنا خلقنا نفوساً أودعناها العقل ومنحناها التمكين وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف وأعددنا لها عاقبة وجزاءً على حسب أعمالهم.
{ذلك} إشارة إلى خلقها باطلاً {ظَنُّ الذين كَفَرُواْ} الظن بمعنى المظنون أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا ، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض وما بينهما لقوله {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله} [لقمان: 25] لأنه لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤدياً إلى أن خلقها عبث وباطل جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه ، لأن الجزاء هو الذي سبقت إليه الحكمة في خلق العالم ، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار أَمْ نَجْعَلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار} "أم"منقطعة ، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار ، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما يقول الكفار لاستوت أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر ، ومن سوّى بينهم كان سفيهاً ولم يكن حكيماً {كِتَابٌ} أي هذا كتاب {أنزلناه إِلَيْكَ} يعني القرآن {مُّبَارَكٌ} صفة أخرى {لِّيَدَّبَّرُواْ ءاياته} وأصله ليتدبروا قرئ به ومعناه ليتفكروا فيها فيقفوا على ما فيه ويعملوا به.