فإن قيل: أين جواب القسَم بقوله: {ص والقرآنِ ذِي الذِّكْرِ} ؟
فعنه خمسة أجوبة:
أحدها: أن"ص"جواب لقوله: {والقرآن} ، ف {ص} في معناها ، كقولك: وَجَبَ واللهِ ، نَزَلَ واللهِ ، حَقٌّ واللهِ ، قاله الفراء ، وثعلب.
والثاني: أن جواب {ص} قوله {كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِم مِنْ قَرْنٍ} ، ومعناه: لَكَمْ.
فلمّا طال الكلام ، حُذفت اللامُ ، ومِثله: {والشَّمْسِ وضُحاها} [الشمس: 1] {قد أَفْلَحَ} [الشمس: 9] ، فإن المعنى: لقد أَفْلَحَ ، غير أنه لمّا اعترض بينهما كلام ، تبعه قوله: {قد أَفْلَحَ} ، حكاه الفراء ، وثعلب أيضاً.
والثالث: أنه قوله: {إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ} [ص: 14] ، حكاه الأخفش.
والرابع: أنه قوله: {إِنَّ ذلكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النّارِ} [ص: 64] ، قاله الكسائي.
وقال الفراء: لا نجده مستقيماً في العربية ، لِتأخُّره جداً عن قوله {والقرآنِ} .
والخامس: أن جوابه محذوف ، تقديره: والقرآنِ ذي الذِّكْر ما الأَمْرُ كما يقول الكُفَّار ، ويدل على هذا المحذوف قولُه {بَلِ الذين كَفَروا في عِزَّةٍ وشقاقٍ} ، ذكره جماعة من المفسرين ، وإِلى نحوه ذهب قتادة.
والعِزَّةُ: الحَمِيَّةُ والتكبُّر عن الحَقّ.
وقرأ عمرو بن العاص ، وأبو رزين ، وابن يعمر ، وعاصم الجحدري ، ومحبوب عن أبي عمرو: {في غِرَّةٍ} بغين معجمة وراء غير معجمة.
والشِّقاق: الخِلاف والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سبق بيان الكلمتين مشروحاً [البقرة: 206 ، 138] .
ثم خوَّفهم بقوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهم مِنْ قَرْنٍ} يعني الأُمم الخالية {فنادَوْا} عند وقوع الهلاك بهم.
وفي هذا النداء قولان:
أحدهما: أنه الدُّعاء.
والثاني: الاستغاثة.