لقد نزل الإسلام بتشريعاته وتعالميه ليحكم المجتمع البشري في كل ظروفه وأحواله ، فلهذا أعطى لكل أمر حكما ، وراعى المصالح في أحكامه وتشريعاته كما راعى اختلاف الطباع الإنسانية ، فعندما أجاز الشارع ضرب المرء زوجه إنما أجازه أولا وقبل كل شيء في حدود ، وأن يكون الضرب مبرحا ، ولا يتعدى حدود التأديب والتهذيب ، ومع ذلك فقد اعتبر ضرب الأزواج غير ممدوح فاعله ، وتبدو حكمة الترخيص بالضرب جلية في نساء مخصوصات تعودن عليه ، ونشأن في ظلاله ، فلم يعد من الممكن تأديبهن إلا بهذه الطريق فأجازها الشارع لذلك .
يقول شهيد الإسلام سيد قطب في كتابه"الظلال"ما نصه:
"وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة ، وهي تضرب مثلا للابتلاء والصبر ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها ، والحد المأمون في هذه القصة هو أن أيوب عليه السلام كان كما جاء في القرآن عبدا صالحا أوابا ، وقد ابتلاه الله فصبر صبرا جميلا ، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال والأهل والصحة جميعا ولكنه ظل على صلته بربه ، وثقته به ، ورضاه بما قسم له ."
وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له ، ومنهم زوجته بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه ، وكانوا يحدثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد ما يؤذيه الضر والبلاء . فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربها عددا عينه ، قيل مائة .
وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان ، ومداخله إلى نفوس خلصائه ، ووقع هذا الإيذاء في نفسه: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} .
فلما عرف ربه منه صدقه وصبره ، ونفوره من محاولات الشيطان وتأذيه بها ، أدركه برحمته ، وأنهى ابتلاءه ، ورد عليه عافيته إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه فتتفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} .
ويقول القرآن الكريم: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب} .