وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله {نعم العبد} أي هو فحذف المخصوص للعلم به. وفي قوله {إنه أوّاب} كما مر في قصة داود إشارة إلى أنه كان شبيهاً بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح. وفي القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة أبيه على وجه لا يقدح في الصعمة وهو المختار عند المحققين ، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلاً منهما بالوجهين بتوفيق الله تعالى. أما الأوّل من الواقعة الأولى فقوله {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات} وهي جمع صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل. قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه. وفي الحديث"من سرّه أن يقوم الناس له صفوفاً فليتبوّأ مقعده من النار"أي واقفين مثل خدم الجبابرة. و {الجياد} جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة من مواقفها على أحسن الأشكال. وإذا أجريت كانت سراعاً في جريها ، فإذا طلبت لحقت ، وإذا طلبت لم تلحق. يروى أن رباط الخيل كان مندوباً في شرعهم كما في شرعنا. ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل ، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} سمى الخيل خيراً لتعلق الخير بها كما جاء في الحديث