الجزاء كما زعموا لاستوت حال الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية على وفق العقل والشرع ، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس وتتبع الشهوات وهتك الحرمات ، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة ، ولا ينافي هذا إمكان التسوية من حيث المالكية. وحين ذكر هذه المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة منّ على رسوله بقوله {كتاب} أي هذا كتاب {أنزلناه إليك مبارك} كثير المنافع والفوائد {ليدّبروا آياته} ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: يقال في وجه النظم إن العقلاء قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة مناسبة للمطلوب الأول ، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتاً مفحماً.