ولما اتهم (بنو إسرائيل) الشيطانَ (واستنكروا حُكْمَه) نشروا التوراة بين يديه ففرَّ ورمى بالخاتم في البحر ، وطار في الهواء. ولمَّا أَذِنَ اللَّهُ رَدَّ مُلْكَ سليمان إليه ، ابتلعت سمكةٌ خاتمه ، ووقعت في حبال الصيادين ، ودفعوها إلى سليمان في أجرته ، فلمَّا شقَّ بَطْنَهَا ورأى خاتَمه لبسه ، وسَجَدَ له الملاحون ، وعاد إلى سرير مُلْكَه.
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)
أي مُلْكاً لا يسلبه أحدٌ مني هذا كما سُلِبَ مني في هذه المرة.
وقيل أراد انفراده به ليكونَ معجزةً له على قومه.
وقيل أراد أنه لا ينبغي لأحدٍ من بعدي أن يسأل المُلْكَ ، بل يجب أن يَكِلَ أمرَه إلى الله في اختياره له.
ويقال لم يقصد الأنبياء ، ولكن قال لا ينبغي من بعدي لأحدٍ من الملوك.
وإنما سأل المُلْكَ لسياسة الناس ، وإنصافِ بعضهم من بعض ، والقيام بحقِّ الله ، ولم يسأله لأَجْلِ مَيْلِه إلى الدنيا... وهو كقول يوسف: {اجْعَلْنِى عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] .
ويقال لم يطلب المُلْكَ الظاهرَ ، وإنما أراد به أن يَمْلِكَ نَفْسَه ، فإن المَلِكَ - على الحقيقة - مَنْ يَمْلِكَ نَفْسَه ، ومَنْ مَلَكَ نَفْسَه لم يَتَّبعْ هواه.
ويقال أراد به كمالَ حالهِ في شهود ربِّه حتى لا يَرَى معه غيرَه.
ويقال سأل القناعةَ التي لا يبقى معها اختيار.
ويقال علم أن سِرَّ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ألا يلاحِظَ الدنيا ولا ملكَها فقال: {لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِى} [ص: 35] لا لأنه بَخِلَ به على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ولكن لِعِلْمِه أنه لا ينظر إلى ذلك.
فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36)