لو ضاع منه هذا القليل ، ليوضع فِي موضعه الذي ينتظره عند صاحب الكثير ؟
هكذا قدّر صاحب الكثير ، وهكذا أمضى حكمه فِي صاحبه!.
والظلم واضح صريح فِي هذه القضية .. ولهذا بادر داود ببيان وجه الحق فيها ، على حسب ما سمع من المدعى: فقال - معلقا على دعواه:
«لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ » ! إن الأمر - فيما يبدو - ظلم صارخ ، وعدوان مبين.!
ولم يلتفت داود إلى الظالم ، ولم يواجهه بالحكم الذي يقتضيه الموقف ، بل عاش لحظاته تلك ، مع هذا المظلوم ، يواسيه ، ويخفف عنه مرارة الظلم الذي تجرعه من يد أخيه .. فيقول له: « وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ .. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ » .. فلست أنت يا صاحبى أول من ظلم من معاشريه ومخالطيه .. فما أكثر بغى الخلطاء بعضهم على بعض ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء الخلطاء .. وقليل هم أولئك الذين لا يظلمون!.
وهنا يبحث داود عن هؤلاء القليل فِي الناس ، ويتفرس فِي وجوههم ، ثم يلتفت إلى نفسه ، وهل هو واحد من هؤلاء القليل ؟ وهنا يطلع عليه من صفحة أعماله ما يراه غير قائم على ميزان العدل .. وسرعان ما يرى نفسه طرفا فِي هذه القضية التي بين يديه ، وأنه يأخذ موقف المدعى عليه فيها ، وأن هذا المدعى إنما يقيم دعواه عليه هو ، لا على هذا الشخص الذي جاء به إليه .. إن هذا الشخص ما هو إلا المرآة التي يرى فيها داود نفسه!.
ومن إعجاز القرآن فِي هذا ، أنه لم يضع هذا المدعى عليه موضع اتهام ،