قال الترمذي: ولقد كنت أمر زماناً طويلاً بهذه الآيات فلا ينكشف لي المراد والمعنى من قوله: {رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} [ص: 16] والقِط الصحيفة في اللغة ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الانشقاق: 7] : وقال لهم:"إنكم ستجدون هذا كله في صحائفكم تعطونها بشمائلكم"فقالوا:"رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا"أي صحيفتنا"قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ"قال الله تعالى: {اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد} [ص: 17] فقص قصة خطيئته إلى منتهاها ، فكنت أقول: أمره بالصبر على ما قالوا ، وأمره بذكر داود فأي شيء أريد من هذا الذكر؟ وكيف اتصل هذا بذاك؟ فلا أقف على شيء يسكن قلبي عليه ، حتى هداني الله يوماً فألهمته أن هؤلاء أنكروا قول أنهم يعطون كتبهم بشمائلهم ، فيها ذنوبهم وخطاياهم استهزاء بأمر الله ؛ وقالوا:"رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ"فأوجعه ذلك من استهزائهم ، فأمره بالصبر على مقالتهم ، وأن يذكر عبده داود ؛ سأل تعجيل خطيئته أن يراها منقوشة في كفه ، فنزل به ما نزل من أنه كان إذا رآها اضطرب وامتلأ القدح من دموعه ، وكان إذا رآها بكى حتى تنفذ سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد ، فإنما سألها بعد المغفرة وبعد ضمان تبعة الخصم ، وأن الله تبارك وتعالى اسمه يستوهبه منه ، وهو حبيبه ووليه وصفيه ؛ فرؤية نقش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صنعت به هكذا ، فكيف كان يحلّ بأعداء الله وبعصاته من خلقه وأهل خزيه ، لو عجلت لهم صحائفهم فنظروا إلى صورة تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجحود ، وماذا يحل بهم إذا نظروا إليها في تلك الصحائف ، وقد أخبر الله عنهم فقال: فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ ُ صَغِيرَةً وَلاَ