فكان لا يبسطها لطعام ولا شراب ولا شيء إلا رآها فأبكته ، وإن كان ليؤتى بالقدح ثلثاه ماء ، فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه عن شفته حتى يفيض من دموعه.
وروى الوليد بن مسلم: حّدثني أبو عمرو الأوزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنما مثل عيني داود مثل القِربتين تَنْطُفان ولقد خدّد الدموع في وجه داود خديد الماء في الأرض"قال الوليد: وحدّثنا عثمان بن أبي العاتكة أنه كان في قول داود إذ هو خلوٌ من الخطيئة شدّة قوله في الخطائين أن كان يقول: اللهم لا تغفر للخطائين.
ثم صار إلى أن يقول: اللهم رب اغفر للخاطئين لكي تغفر لداود معهم ؛ سبحان خالق النور.
إلهي! خرجت أسأل أطباء عبادك أن يداووا خطيئتي فكلهم عليك يدلني.
إِلهي! أخطأت خطيئة قد خفت أن تجعل حصادها عذابك يوم القيامة إن لم تغفرها ؛ سبحان خالق النور.
إلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت الأرض برحْبها عليّ ، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إليّ روحي.
وفي الخبر: أن داود عليه السلام كان إذا علا المنبر رفع يمينه فاستقبل بها الناس ليريهم نقش خطيئته ؛ فكان ينادي: إِلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها ، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إليّ روحي ؛ رب اغفر للخاطئين كي تغفر لداود معهم.
وكان يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد ، فكانت تستنقع دموعه تحت رجليه حتى تنفذ من الأفرشة كلها.
وكان إذا كان يوم نَوْحه نادى مناديه في الطرق والأسواق والأودية والشّعاب وعلى رؤوس الجبال وأفواه الغيران: ألا إن هذا يوم نوحِ داود ، فمن أراد أن يبكي على ذنبه فليأت داود فيسعده ؛ فيهبط السياح من الغيران والأودية ، وترتج الأصوات حول منبره والوحوش والسباع والطير عُكَّفٌ ؛ وبنو إسرائيل حول منبره ، فإذا أخذ في العويل والنوح ، وأثارت الحرقات منابع دموعه ، صارت الجماعة ضجة واحدة نوحاً وبكاء ، حتى يموت حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم.