قوله تعالى: {ولقد آتينا داود مِنَّا فَضْلاً} وهو النُّبوَّة والزَّبور وتسخير الجبال والطير ، إِلى غير ذلك ممَّا أنعم اللّهُ به عليه {يا جبالُ أوِّبي معه} وروى الحلبي عن عبد الوارث: {أُوْبي} بضم الهمزة وتخفيف الواو.
قال الزجاج: المعنى: وقلنا: يا جبال أوِّبي معه ، أي: رجِّعي معه.
والمعنى: سبِّحي معه ورجِّعي التسبيح.
ومن قرأ: {أُوْبي} ، معناه: عودي في التسبيح معه كلما عاد.
وقال ابن قتيبة: {أوِّبي} أي: سبِّحي ، وأصل التأويب في السير ، وهو أن يسير النهار كلَّه ، وينزل ليلاً ، فكأنه أراد: ادأَبي النهار [كلَّه] بالتسبيح إِلى الليل.
قوله تعالى: {والطََّيْرَ} وقرأ أبو رزين ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، وأبو العالية ، وابن أبي عبلة: {والطَّيْرُ} بالرفع.
فأما قراءة النصب ، فقال أبو عمرو بن العلاء: هو عطف على قوله: {ولقد آتينا داود مِنَّا فضلاً} {والطَّيْرَ} أي: وسخَّرْنا له الطَّيْرَ.
قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصباً على النداء ، كأنه قال: دعَوْنا الجبالَ والطيرَ ، فالطير معطوف على موضع الجبال ، وكل منادى عند البصريين فهو في موضع نصب ؛ قال: وأما الرفع ، فمن جهتين ، إِحداهما: أن يكون نسقاً على ما في {أوِّبي} ، فالمعنى: يا جبال رجِّعي التسبيح معه أنتِ والطير ؛ والثانية: على النداء ، المعنى: يا جبال ويا أيُّها الطير أوِّبي [معه] .
قال ابن عباس: كانت الطير تسبِّح معه إِذا سبَّح ، وكان إِذا قرأ لم تبق دابَّة إِلا استمعت لقراءته وبكت لبكائه.
وقال وهب بن منبه: كان يقول للجبال: سبِّحي ، وللطير: أجيبي ، ثم يَأخذ هو في تلاوة الزَّبور بين ذلك بصوته الحسن ، فلا يرى الناسُ منظراً أحسن من ذلك ، ولا يسمعون شيئاً أطيبَ منه.
قوله تعالى: {وألنَّا له الحديد} أي: جعلناه ليِّناً.