فإن قلت: ما أفاد قوله (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) ، مع أن (عَالِمِ الْغَيب) يكفي عنه؟ فالجواب: أن هذه المذكورات إن كانت كبيرة الجرم فهي ظاهرة معلقة فعزوبها عن المخلوقات، إنما هو حالة كونها في الغيب لم تخلق ولم تظهر للوجود، فدخلت في قوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيبِ) ، وإن كانت موجودة فعزوبها، إنما هو باعتبار رجوعها في خفية عن أعين الناظرين، ولَا تخفى على الله.
قوله تعالى: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) .
انظر تعقب أبي حيان على الزمخشري.
وقال ابن عرفة: الصواب أن هكذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
كقول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
قوله تعالى: {وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) }
وجه مناسبة القراءة هنا أن (الْعَزِيزِ) هو الذي لَا يمانع، فإما أن يراد أن كلامه لا يقدر أحد على ممانعته، وإما أن يكون أشار إلى أنه لَا تهتدي إلى المطالب القلبية الخفية الممتنعة عن الإدراك إلا به، و (الْحَمِيدِ) إشارة إلى حمده هذه النعمة العظيمة التي أنعم بها، وهو القرآن العظيم الهادي إلى طريق الحق.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ... (20) }
قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنها نزلت تخويفا لقريش، لأنهم اتبعوا الشيطان فيما اتبعه فيه آباؤهم من الكفر، وقد هلكوا وعذبوا، فلم يتوقعوا أن ينزل بهم ما نزل بآبائهم، كعبدين عصى أحدهما سيده فعذبه، ثم عصاه الآخر فهو متوقع عذابه، وأطلق قول إبليس بفعله المستقبل صدقه وهو قوله (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، ففيه دليل على أن من يعتقد صدقه من الأولياء إذا أخبر بشيء قبل وقوعه أن يقال فيه: صدق فلان في مقالته. انتهى انتهى {تفسير ابن عرفة. 3/ 313 - 316} ...