إنَّ الأشحَّاءَ أسْخَى الناسِ قَاطِبةً ... لأنَّهم مَلكُوا الدُّنيا وَمَا انتفَعُوا
لم يَحْرِمُوا الناسَ من بَعْضِ الذي مَلكُوا ... إلاَّ لِيُعْطَوْا هُموا كُل الذِي جمَعُوا
وآخر يرى للبخيل فضلاً عليه ، فيقول:
جُزِى البخيلُ عليَّ صالحةً ... مِنَّّى لخِفَّتِهِ علَى نَفْسِي
نعم ، البخيل خفيف على النفس ؛ لأنه لم يَجُدْ عليك بشيء يأسرك به ، ولم يستعبدك في يوم من الأيام بالإحسان إليك ، فهو خفيف على نفسك ؛ لأنك لستَ مديناً له بشيء .
وهذا على حَدِّ قول الشاعر:
أَحْسِنْ إلىَ النَّاسِ تَسْتعبدِ قُلُوبَهُم ... وطَالَما اسْتعبَد الإنْسانَ إحْسَانُ
فالبخل وإنْ كان مذموماً ، فقد ركزه الله في بعض الطباع ليعين التضاد ، ومعنى"يعين التضاد"أن البخل مقابله الكرم ، والبخيل يعاون الكريم على أداء مهمته ، فالكريم عادة (إيده سايبه) ، ينفق هنا وهناك حتى ينفد ما معه ، ومن أهل الكرم مَنْ يلجأ إلى أنْ يبيع أرضه أو بيته في سبيل كرمه ، فمَنْ يشتري منه إذن إذا لم يكُنْ هناك مَنْ يكنز المال ويبخل به؟
إذن: لو نظرتَ إلى كل شيء في الوجود تجد له مهمة ، حتى إنْ كان مذموماً ، ثم إن البخيل كثيراً ما يكون ظريفاً لا يخلو مجلسه من ظُرْفه ، فقد كنا في بواكير شبابنا نشرب السجائر ، فكان الواحد منا يُخرج علبة السجائر يوزعها على الحاضرين ، وربما لا تكفي واحدة فأخرج الأخرى ، وكان في مجلسنا واحد من هؤلاء ، فنظر إليَّ في غَيْظ وقال (يا قلبك يا أخي) .
وقد كانت هذه السجائر سبباً في أننا جُرْنا على شبابنا ، فكان لها أثر بالغ علينا في الكِبَر ، فليحْمِ الشباب شبابهم ولا يدمروه بمثل هذه الخبائث المحرمة .