وهذه الآية تلفتنا إلى مظهر من مظاهر الدقة في الأداء القرآني المعجز ، فالآية هنا ذكرت (الحَرَّ) ، ولم تذكر شيئاً عن المقابل له ، وهو البرد ، والعلماء عادةً ما يلجئون إلى تقدير هذا المحذوف عند تفسير الآية ، فيقولون: أي تقيكم الحر والبرد ، يريدون أنْ يكملوا أسلوب القرآن ، وهذا لا يجوز .
وحين نمعن النظر في هذه الآية ، نجد أن الله تعالى خلق الظلال لتقينا حرارة الشمس ، وجعل اللباس ، وكذلك جعل لنا الأكنان في الجبال ، والله خلق الحرَّ على هذه الصورة التي لا يتحملها الإنسان ؛ لأن للحر مهمة في حياتنا ، فحرارة الشمس تخدمك في أمور كثيرة ، وإنْ كانت تضايقك بعض الوقت ، فالحق سبحانه أبقاها لتؤدي مهمةَ خير لك ، ثم حَمَاك بالظل واللباس والأكنان من شِّرها .
فإنْ قُلْتَ: فهذه الأشياء تقيني أيضاً البرد ، نقول: إياك أنْ تظن أن الدفء يأتيك من غطاء ثقيل أو ملابس شتوية ، إنما الدفء من ذاتك أنت ، فأنت تدفئ (البطانية) والفراش الذي تنام عليه ، بدليل أنك ساعة تأتي فراشك لتنام تجده بارداً ، ثم بعد مرور ساعات الليل تجده في الصباح دافئاً .
إذن: فحرارتك الذاتية انتقلَتْ إلى الغطاء فأدفأَته ، وكل ما يؤديه الغطاء أنه يحفظ حرارة جسمك بداخله ، فلا تتبدد في الهواء المحيط بك .
لذلك ، لما درس العلماء مسألة حرارة جسم الإنسان وجدوا فيها مظهراً من مظاهر قدرة الله ، فالإنسان تُشع منه حرارة تكفي في أربع وعشرين ساعة لِغَلْي سبعة عشر لتراً من الماء ، ومعدل هذه الحرارة في الجسم 37ْ ثابتة في قيظ الحر وبرد الشتاء ، مما يدل على أن لجسمك ذاتية منفصلة تماماً عن الجو المحيط بك .