أجيب: بأن ذلك مبالغة في التوبيخ على طريقة الالتفات وليصرح بلفظ الإيمان دالاً على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع قالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناءً على ظنه بالمؤمن الخير (هذا إفك مبين) هكذا اللفظ المصرح ببراءة ساحته لا يقول كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن الذي قَلَّ القائم به والحافظ له وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه بإخوانه.
{إذ تَلَقَّوْنَهُ}
أي: تجتهدون في تلقي أي: قبول هذا الكلام الفاحش وإلقائه {بِأَلْسِنَتِكُمْ} أي: يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقياً يلقيه بعضهم إلى بعض، وحذفت من الفعل إحدى التاءين {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ} أي: كلاماً مختصاً بالأفواه فهو كلام لا حقيقة له فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل وأكد هذا المعنى بقوله تعالى: {مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}
أي: بوجه من الوجوه وتنكيره للتحقير.
«فَإِنْ قِيلَ» : القول لا يكون إلا بالفم، فما معنى قوله تعالى: {بِأَفْوَاهِكُمْ} ؟
أجيب: بأن معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان وهذا الإفك ليس إلا قولاً يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب كقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} (آل عمران: 167)