ولما كان استعمال الفرج فيما لا يحل منهياً عنه، لم تدخل"مِن"فلم يقل ويحفظوا من فروجهم، ولما كانت النظرة الأولى لا تملك، قال: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} فدخلت"مِن"للتبعيض.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن من خير عين تنشر يوم القيامة عين رجل من بني إسرائيل، بينما هو قائم يصلي نظر إلى امرأة بإحدى عينيه، فهوى إلى الأرض فأخذ عوداً ففقأ به العين التي نظر بها إلى المرأة".
قال أبو العالية: كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا في هذه الآية، يريد أنه إنما أمروا أن يستروا فروجهم لئلا يراها من لا يحل له رؤيتها.
(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ...(31)
قال أبو محمد: وهذه الآية تضمنت خمسة وعشرين ضميراً بين مرفوع ومخفوض، كلها تعود على المؤمنات، أولها الضمير المرفوع في {يَغْضُضْنَ} وآخرها الضمير المخفوض في قوله تعالى: {مِن زِينَتِهِنَّ} ولا أعلم لهذه الآية نظيراً في القرآن في كثرة ضمائرها فاعْلَمْهُ.
(وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)
المعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى عمله فلا يجد شيئاً، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئاً.
وقوله {والله سَرِيعُ الحساب} ، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد.
وإنما، سماه حساباً لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه.
وقال {سَرِيعُ الحساب} ، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.