وفيه سوء ظن كثير بالزهري ، وهو أنه حذف من إسناد الحديث واسطتين: وهما سليمان بن أرقم ، ويحيى بن أبي كثير ، وأرسله عن أبي سلمة وكذلك قال الترمذي بعد إخراجه لحديث عائشة المذكور ، لا يصح ، لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة ، ومما يقوي سوء الظن المذكور بالزهري: أن سليمان بن أرقم الذي حذفه من الإسناد متروك لا يحتج بحديثه ، فحذف المتروك. ورواية حديثه عمن فوقه من العدول من تدليس التسوية ، وهو شر أنواع التدليس وأقبحها ، ولا شك أن هذا النوع من التدليس قادح فيمن تعمده. وما ذكره بعضهم: من أن الثوري والأعمش كانا يفعلان هذا النوع من التدليس مجاب عنه بأنهما لا يدلسان إلا عمن هو ثقة عندهما. وإن كان ضعيفاً عند غيرهما. ومن المستبعد أن يكون الزهري يحسن الظن بسليمان بن أرقم مع اتفاق الحفاظ على عدم الاحتجاج به.
والحاصل: أن لزوم الكفارة في نذر المعصية ، جاءت فيه أحاديث متعددة ، لا يخلو شيء منها من كلام. وقد يقوي بعضها بعضاً.
وقال الشوكاني: قال النووي في الروضة حديث"لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"ضعيف باتفاق المحدثين. قال الحافظ: قلت: قد صححه الطحاوي ، وأبو علي بن السكن ، فأين الاتفاق انتهى منه. وقد تركنا تتبع الأحاديث الواردة فيه ، ومناقشتها اختصاراً. والأحوط لزوم الكفارة ، لأن الأمر مقدم على الإباحة كما تقرر في الأصول للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. فمن أخرج كفارة عن نذر المعصية ، فقد برئ من المطالبة بها باتفاق الجميع ومن لم يخرجها بقي مطالباً بها على قول أحمد ، ومن ذكرنا معه.
الفرع الثالث: اعلم أن من نذر شيئاً من الطاعة لا يقدر عليه لا يلزمه الفواء به ، لعجزه عنه.
واختلف فيما يلزمه في ذلك المعجوز عنه ، فلو نذر مثلاً أن يحج ، أو يعتمر ماشياً على رجليه ، وهو عاجز عن المشي: جاز له الركوب لعجزه عن المشي ، وإن قدر على المشي: لزمه.