وقد قدمنا الإشارة إليه ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام العمرة ، لأن غالب أحكامها ذكرناه في أثناء كلامها على مسائل الحج. والعلم عند الله تعالى.
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)
قوله تعالى: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] صيغة الأمر في هذه الآية الكريمة: تدل على وجوب الإيفاء بالنذر ، كما قدمنا مراراً أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب ، على الأصح ، إلا لدليل صارف عنه.
ومما يدل من القرآن على لزوم الإيفاء بالنذر: أنه تعالى أشار إلى أنه هو ، والخوف من أهوال يوم القيامة ، من أسباب الشرب من الكأس الممزوجة بالكافور في قوله تعالى: {إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} [الإنسان: 5 - 6] ثم أشار إلى بعض أسباب ذلك فقال: {يُوفُونَ بالنذر وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [الإنسان: 7] فالوفاء بالنذر ممدوح على كل حال ، وإن كانت آية الإنسان ليست صريحة في وجوبه ، وكذلك قوله في سورة البقرة: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] الآية. وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان بالقرآن ، إن لم يكن وافياً بالمقصود أتممناه بالبيان بالسنة. ولذلك سنبين هنا ما تقتضيه السنة من النذر الذي يجب الإيفاء به ، والذي لا يجب الإيفاء به.
اعلم أولاً: أن الأمر المنذور له في الجملة حالتان:
الأولى: أن يكون فيه طاعة لله.
والثانية: ألا يكون فيه طاعة لله ، وهذا الأخير منقسم إلى قسمين.
أحدهما: ما هو معصية لله.
والثاني: ما ليس فيه معصية في ذاته ، ولكنه ليس من جنس الطاعة كالمباح الذي لم يؤمر به.