والصواب ما في البخاري من أن الذي كتب إليها يسألها هو زياد بن أبي سفيان المعروف بزياد ابن أبيه ، كما نبه عليه غير واحد ، فما في مسلم من كونه ابن زياد ، وهم من بعض الرواة ، وقد قدمنا مراراً أن السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا مطعن فيه يجب تقديمها على قول كل عالم ، ولو بلغ ما بلغ من العلم والدي ، وبه تعلم أن التحقيق أن من بعث بهدي ، وأقام في بلده لا يحرم عليه شيء بإرسال هديه ، وأن ما خالف ذلك لا يلتفت إليه ، وإن زعم جماعة أنه مروي عن عمر وابنه ، وعلي وقيس بن سعد بن عبادة ، وسعيد بن جبير وابن سيرين ، وعطاء ، والنخعي ، ومجاهد ، لأن السنة الصحيحة مقدمة على أقوال كل العلماء وكذلك ما قاله سعيد بن المسيب: من أنه لا يجتنب إلا الجماع ليلة جمع: وهي ليلة النحر ، لا يلتفت إليه. للحديث الصحيح المتفق عليه المذكور آنفاً ، والحديث الذي رواه الطحاوي وغيره من طريق عبدالملك بن جابر ، عن أبيه: الدال على أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج ضعيف ، كما ذكره الحافظ في الفتح ، فلا يعارض به الحديث المتفق عليه. وذكر ابن حجر في الفتح عن الزهري: ما يدل على أن الأمر استقر على حديث عائشة لما بينت به سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم ورجع الناس عن فتوى ابن عباس ، والعلم عند الله تعالى.
واعلم: أن التحقيق الذي عليه جمهور أهل العلم: أن من أراد النسك لا يصير محرماً بمجرد تقليد الهدي ، ولا يجب عليه بذلك شيء خلافاً لما حكاه ابن المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق ، من أنه يصير محرماً بمجرد تقليد الهدي ، وخلافاً لأصحاب الرأي في قولهم: إن من ساق الهدي ، وأم البيت ثم قلد وجب عليه الإحرام ، لأن إيجاب الإحرام يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه.
وقد دلت النصوص: على أنه لا يجب ، إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته كما هو معلوم ، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه