ولا شك أن الله جل وعلا في محكم كتابه بين أن الهدي له محل معروف لا يجوز التحلل بحلق الرأس ، قبل بلوغه إياه ، وذلك في قوله {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن فيها: أنه صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق هدياً من أصحابه بفسخ حجه في عمرة ، والإحلال من العمرة ، وتأسف هو صلى الله عليه وسلم أنه لم يفعل ذلك وقال"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".
ولا شك أن المانع له من فسخ الحج في العمرة أنه لا يمكنه التحلل ، وحلق الرأس ، حتى يبلغ الهدي محله.
ومن الضروري البديهي أن هدي التمتع ، لو كان يجوز ذبحه عند الإحلال من العمرة ، أو الإحرام بالحج أنه صلى الله عليه وسلم يتحلل بعمرة ، ويذبح هديه عندما تحلل منها ، فيكون متمتعاً ذابحاً عند الفراغ من العمرة ، أو عند الإحرام بالحج ، فلما صرح بامتناع هذا وعلله بأنه قلد هديه ، وعلم أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر كما هو واضح.
وقد أوضحنا أن جميع أفعاله في الحج ، ويدخل فيها الذبح ووقته كلها بيان لإجمال آيات القرآن كقوله {حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وقوله {وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام} كما أنه بيان لقوله {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [آل عمران: 97] الآية. ولذا قال صلى الله عليه وسلم مبيناً: أن أفعاله في الحج ، بيان للقرآن"لتأخذوا عني مناسككم"وقد قدمنا اتفاق الأصوليين ، على أن فعله صلى الله عليه وسلم الذي هو بيان لإجمال نص يقتضي الوجوب: أنه واجب إلى آخر ما قدمناه من الأدلة.