إذن: (لن) تفيد تأبيد النفي في المستقبل ، وهذا أمر لا يملكه إلا مالك الأحداث سبحانه وتعالى ، أمّا صاحب الأغيار فليس له ذلك ، والذين آمنوا فيما بعد برسول الله ممَّنْ قالوا هذه المقولة: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً} [الإسراء: 90]
نستطيع أن نقول لهم: لقد أوقعتْكم (لن) في الكذب ؛ لأنكم أبَّدتُم نَفْي الإيمان ، وها أنتم مؤمنون ، ولم يُفجِّر لكم النبي ينبوعاً من الأرض.
وعند فتح مكة وقف عكرمة بن أبي جهل وقال في الخَنْدَمَة ما قال ، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً معتذراً وخرج محارباً مع خالد بن الوليد في اليرموك ، وحين طُعِن الطعنة المميتة ، وحمله خالد ، فإذا به يقول له: أهذه ميتة تُرضِي عني رسول الله؟
إذن: مَنْ يقول كلمة عليه أن يكون قادراً على تنفيذها ، مالكاً لزمامها ، ضامناً لنفسه أَلاَّ يتغير ، وأَلاَّ تتناوله الأغيار ، ولا يملك ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.
والمتدبّر لأسلوب القرآن في سورة (الكافرون) يجد هذه المسألة واضحة ، حيث يقول تعالى: {قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} [الكافرون: 1 - 4]
هكذا نفتْ الآية عبادة كل منهما لإله الآخر في الزمن الحاضر ، ثم يقول تعالى: {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 4 - 5] لينفي أيضاً احتمال العبادة في المستقبل ، إذن: فليس في الآية تكرار ، كما يرى بعض قِصَار النظر.
ولك الآن أنْ تسألَ: كيف نفى القرآن الحديث في المستقبل؟ نقول: لأن المتكلّم هنا هو الحق سبحانه وتعالى الذي يملك الأحداث ولا تُغيِّره الأغيار ، ولا تتسلط عليه ، فحكم على المستقبل هذا الحكم القاطع وأبَّد النَّفي فيه.
ثم يقول تعالى: حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً { [الإسراء: 90]