لأن الله تعالى يخاطب بالقرآن عقولاً مختلفة وطبائع متعددة ؛ لذلك لا يستحي أن يضرب المثل بأحقر مخلوقاته لِيُقنِعَ الجميع كُلاً بما يناسبه.
وقوله: فَمَا فَوْقَهَا {قد يقول قائل: ولماذا قال} فَمَا فَوْقَهَا ، فالعجيب هنا مسألة الصِّغَر؟
نقول: المراد بما فوقها.
أي: في المعنى المراد ، وهو الصِّغر. أي: ما فوقها في الصِّغر لا أكبر منها.
ثم يأتي بالمعنى في صورة أخرى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73]
وفي آية أخرى يقول سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]
إذن: يُصرِّف الله الأمثال ويُحوِّلها ليأخذ كل طَبْع ما يناسبه وما يقتنع به ، وليس القرآن على وتيرة واحدة أو مزيج واحد يعطي للجميع. بل يُشخّص الداءات ويُحلِّلها ويعالجها بما يناسبها ؛ لذلك يأتي الأسلوب مختلفاً.
وهذه المسألة واضحة في الحديث النبوي الشريف ، حيث كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم السؤال الواحد ، وتأتي الإجابة مختلفة من شخص لآخر ، فقد سُئِل صلى الله عليه وسلم كثيراً: ما أفضل الأعمال يا رسول الله؟ فقال للسائل:"الصلاة لوقتها"وقال لآخر:"بر الوالدين"وقال لآخر:"أنْ تلقىَ أخاك بوجه طَلْق".
وهكذا جاءت الإجابة مختلفة من شخص لآخر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي حال سائله ، ويحاول أنْ يعالج نقطة الضعف فيه ، فالأمر ليس (أكلشيه) ثابتاً يعطيه للجميع ، بل هي مراعاة الأحوال والطباع.