ثم يعرض نفس القضية بأسلوب آخر ، فيقول: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} [الإسراء: 42]
أي: إنْ كان مع الله آلهة كما يدَّعي المشركون لَذهَب هؤلاء الآلهة إلى ذي العرش يُعاتبونه أو يُؤدِّبونه ، أو يُعاقبونه ؛ لأنه انفرد بالملْك من دونهم.
وبأسلوب آخر يقول تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ..} [آل عمران: 18]
ولم يَأْتِ مَنْ ينازعه هذه المكانة ، أو يدَّعيها لنفسه ، إذن: فقد ثبتتْ له هذه القضية إلى أنْ يُوجَد معارض ، فالمختلف فيه يتفق عليه إنْ لم يظهر له معارض.
وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً ، ولله المثل الأعلى: هَبْ أن جماعة انصرفوا من مجلس ، ثم وجد صاحب البيت حافظة نقود في مكان مجلسهم فعرضها عليهم ، فلم يدَّعها أحد لنفسه إلا رجل واحد قال: هي لي ، أيشكُّ صاحب البيت أنها له؟
نرى هذا التصرف أيضاً في أسلوب القرآن في مسألة ادعاء أن لله تعالى ولداً ، تعالى الله عما يقول المبطلون عُلُواً كبيراً ، فيعرضها القرآن هكذا:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]
فيردُّ القرآن هذا الزعْم بقوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ..} [الأنعام: 101]
وفي موضع آخر يعرض المسألة هكذا: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57]
أي: فإن كنتم تريدون مقاسمة الخالق سبحانه ، فهل يليق أنْ تأخذوا أنتم البنين ؛ لأنهم المفضلون حَسْب زعمكم ، وتتركوا له تعالى البنات: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21 - 22] أي: قسمة جائرة.